يونس بنان
في المجتمعات التي يتداخل فيها الدين مع الهوية، كما هو الحال في المغرب، يصبح من الضروري التمييز بدقة بين مفاهيم غالبًا ما تُستعمل بطريقة ارتجالية: فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة. هذا التمييز ليس نقاشًا لغويًا، بل نقطة ارتكاز لأي مشروع مجتمعي يسعى إلى التوازن بين الأصالة والحداثة، بين الروحي والمدني، وبين السلطة الأخلاقية والسلطة العمومية.
الدين: المرجع الأخلاقي المشترك
الدين، في التجربة المغربية، ليس فقط منظومة شعائرية، بل هو المرجع الأخلاقي العميق الذي يستبطنه الضمير الجمعي، ويتجلّى في العلاقات الاجتماعية، والسلوك اليومي، ونظام القيم. هو ملك لجميع أفراد المجتمع، بمختلف تأويلاتهم ومستويات تدينهم، ولذلك لا يحق لأي جهة سياسية أو حزبية أن تحتكره أو توظّفه لخدمة مشروعها الخاص.
حين يُستعمل الدين كوقود للخطاب السياسي، يتحوّل من مصدر للإجماع القيمي إلى أداة استقطاب وصراع، مما يُفقده طهارته الرمزية، ويُحوّل “الإيمان” إلى شعار انتخابي يُتاجر به. إن استعمال الدين في السياسة هو سطو على المجال الرمزي المشترك، وسرقة لميراث ثقافي روحي لا يحق تخصيصه أو تسليعه.
الدولة والدين: علاقة تراث وهوية
خلافًا للنموذج الغربي الذي تطوّر فيه مفهوم “فصل الدين عن الدولة” كرد فعل على هيمنة الكنيسة، فإن الدولة المغربية نشأت تاريخيًا من داخل المرجعية الدينية، حيث كانت “البيعة” فعلًا ذا طبيعة روحية وسياسية في آن واحد. ولذلك، لا يمكن الحديث عن قطيعة بين الدولة والدين، لأن هذا الأخير جزء من بنيتها الرمزية والتاريخية.
لكن هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تكون دينية، بل أن علاقتها بالدين يجب أن تكون مبنية على الحماية، لا على التوظيف، على الرعاية لا على الاستغلال، وعلى التوازن لا على الإخضاع. الدين متجذّر في الدولة كمصدر شرعية ثقافي وقيمي، لكن الدولة لا تُمثّل الدين نيابة عن الناس، بل تكفل حرياتهم في ممارسته وتعدد تأويله.
فصل الدين عن السياسة: حماية للسياسة من القداسة، وصون للدين من الابتذال
إن فصل الدين عن السياسة لا يعني تهميش الدين أو إقصاءه من الحياة العامة، بل يعني حماية متبادلة: حماية الدين من التوظيف السياسي، وحماية السياسة من التقديس. فالدين في جوهره خطاب تسامي، ونداء داخلي موجّه إلى الضمير، لا إلى الصندوق الانتخابي؛ بينما السياسة مجال للمساومة، والمصالح، والتدبير العمومي، وهي بطبيعتها قابلة للنقد، والمراجعة، والتجريب. وحين تُستعمل اللغة الدينية في السياسة، فإنها تفقد نزاهتها الروحية، وتتحوّل من رسالة قيم إلى وسيلة تبرير للسلطة أو لشرعية انتخابية مؤقتة.
المشكلة الكبرى في إدخال الدين إلى الحقل السياسي ليست فقط في التشويش على الديمقراطية، بل في تحويل المقدس إلى أداة للهيمنة، وهذا هو أخطر أنواع السلطوية. فالأنظمة أو الأحزاب التي تزعم تمثيل “الإرادة الإلهية” تجعل من نفسها كيانًا غير قابل للنقد، ومن يعارضها يُتهم بـ”الكفر” أو بـ”الخروج عن الأمة” أو بـ”عداء الهوية”. هنا، تفقد السياسة مشروعيتها التعاقدية، ويُفرّغ الدين من مضمونه الأخلاقي ليتحول إلى شعارات تُرفع في الحملات، لا قيم تُترجم في الواقع. بهذا المعنى، فإن التداخل بين المجالين لا يربح فيه الدين ولا السياسة؛ بل يتحول الاثنان إلى أدوات ابتزاز رمزي، يضيع معها العقل، وتُقمع بها الحريات.
نحو عقد اجتماعي مغربي جديد
نحن لا نحتاج إلى نسخة فرنسية من العلمانية، ولا إلى نماذج مستوردة من المشرق أو الغرب. فكل تجربة تحمل سياقها، وشروطها، وأفقها التاريخي الخاص. العلمانية الفرنسية، مثلًا، نبتت من صراع حاد مع الكنيسة، والنماذج الإسلامية المشارقية انبثقت من واقع مختلف تمامًا، يحمل تركيبة سياسية ومجتمعية لا تطابق الواقع المغربي. أما المغرب، فإنه يمتلك مسارًا تاريخيًا خاصًا، وسلطة روحية موغلة في الجذور، وهوية مركبة لكنها منسجمة، تسمح بصياغة عقد اجتماعي أصيل لا يحتاج إلى الاستنساخ، بل إلى التجذير.
إننا في حاجة إلى عقد اجتماعي مغربي نابع من تاريخنا، ومن عمق هويتنا الثقافية والدينية، يعترف بخصوصيتنا ويؤسس لمواطنة كاملة. عقد يُبقي الدين في مكانته الرمزية الرفيعة، دون أن يحوله إلى أداة إقصاء أو مرجعية تشريعية مطلقة. عقد يُحرر السياسة من “القداسة المصطنعة”، ويُعيد للدولة حيادها ووظيفتها الأساسية في ضمان الحقوق، لا في فرض المعتقدات أو ضبط الضمائر.
في هذا الأفق، يصبح من الضروري أن نحرر الدين من السياسة، ونُحصّن الدولة من الاستغلال الرمزي. فكلما توغلت السلطة في الدين، تحولت المرجعية الروحية إلى سلطة قمعية. وكلما توغلت السياسة في الدين، اختزلت الدين في شعارات حزبية وخطابات انتخابية فارغة. الدين لا يجب أن يُستعمل، بل يُصان. والسياسة لا يجب أن تُقدّس، بل تُراقب.
إن مكان الدين الطبيعي هو الضمير الفردي، والمجال القيمي المشترك، والبنية الثقافية المجتمعية. لا في البرلمان ولا في القوانين ولا في الصراعات الانتخابية. الدين ملك للجميع، وليس حكراً على أحد. ولأنه كذلك، فإن أول ما يحمى به هو إبعاده عن التوظيف السياسي. إنه قوة روحية رمزية، لا أداة سلطوية.
وعليه، فإن مستقبل المغرب لن يُبنى على قاعدة استيراد الحلول، بل على صياغة نموذج وطني يوازن بين الأصالة والتقدم، بين الحرية والهوية، بين الدولة والمجتمع. نموذج يُعيد الاعتبار للعقل، ويحمي الحق في الاختلاف، ويضمن العيش المشترك ضمن دولة مدنية تستلهم من الدين قِيَمه الأخلاقية، لا سلطته، ومن التقاليد عمقها، لا جمودها، ومن الحداثة أدواتها، لا قشورها.